لون العالم

 

لون العالم!

 

كثيرا ما يثير اندهاشي محاولة البعض – ممن اعيش معهم و احتك بهم – فرض افكارهم و قناعاتهم علي ، و محاولة الحكم على عالمي من منظور عالمهم و قناعاتهم.

 

عندما كنت صغير كانت مثل هذه التصرفات تثيرني و تدفعني للدفاع عن ما اعتقده و المحاورة لساعات و ساعات لإثبات ما انا مقتنع به ، و عادة ما ينتهي النقاش بعدم قناعة اي من الطرفين – سواء انا او محاوري – بوجهة نظر الطرف الآخر. ما لاحظته في كثير من الاحيان أن سبب النقاش لا يعدو كونه اثبات الذات و ليس اثبات الفكرة ، فكل ما في الأمر محاولة الطرف الاخر اثبات صدق و صحة تجربته عن طريق صبغ العالم بتجربته و تلوين عوالم الاخرين بإستنتاجاته عن ما مر و اقتنع به.

 

إليكم هذه الأمثله التي قد تكون مرة بكم بطريقة او بأخرى:

 

القصة الأولى: شخص يبدء حياته بصورة عادية ، ثم ما يلبث ان يتجه اكثر و اكثر في طريق الضياع (بالخليجي في طريق الصياعه ) ، و تمر السنين و هو على هذا المنوال ، و فجأة يمر بتجربة مؤلمة تجعله يراجع نفسه و من ثم يبدء في التدين ، و يبدء في النظر للعالم من منظور الدين، و يبدء في الحكم على الاخرين و تصرفاتهم من منطلق ما استنتجه من تجربته الشخصية.

 

القصة الثانية: شخص يبدء حياته بصورة عادية ، و بما انه من اسرة محافظه و قريبه للدين ، يبدء في التدين شيئا فشيئا ، و تصبح كل تجاربه في الحياة مصبوغة بطريقة او بأخرى بالدين ، و يصبح يحكم على من حوله بالدين ، و الأخطر من ذلك يصبح حكمه على تجاربه الشخصية من منطلق ديني لا يقبل التأويل!

 

و في خضم هذا التدين ، يمر بتجربة مؤلمه تزعزع ما كان يؤمن به بطريقة مطلقة من الدين ، و يتحول نفس هذا الشخص المتدين إلى (ملحد) – والعياذ بالله – بل يبدء بالهجوم على المتدينين و حتى على الناس البسطاء في ايمانهم بالدين ، و هكذا يبدء بتلوين عالمه و تجاربه الجديده بما توصل له من قناعات عبر التجربة التي مر بها ، و يبدء في الحكم على الاخرين من نفس المنطلق!.

 

والآن

 

ما هو الفرق بين محاولة اثبات الذات و محاولة اثبات الفكرة؟

 

لكي تعرف الفرق بين اثباتك لفكرتك و بين اثباتك لذاتك ، يجب ان تنظر لما تقوله من منظور طرف ثالث لم يمر بالتجربة التي مررت بها (او بالفكرة التي قرأتها و اقتنعت بها) ، و من ثم تحلل “منطقية” الفكرة التي تتحدث عنها او تجادل بشأنها في ضوء تجربة الطرف الاخر و ليس من خلال تجربتك انت.

 

إليكم هذا المثال المأخوذ من موقع ستيف بافلينا: (بتصرف)

 

معظمنا ممن رأى الألوان يمكنه التفريق بسهولة بين اللون الأحمر والاخضر ، و لا يمكننا حتى التخيل عالم بدون اللون الأحمر والاخضر. لكن لشخص ولد بعمى الالوان (الاحمروالاخضر) فلا يمكنه حتى تصور شكل العالم بهذين اللونين! ، و حتى لو ظللت طوال اسابيع تحاول اقناعه بأن هناك لونين رائعين هما الاخضر والأحمر فلا يمكنه تصديقك! لأنه ببساطة لا يمكنه تخيل ذلك!.

 

لتعرف الفرق بين ما يشاهده الإنسان الذي يرى كل الالوان و بين من لا يملك هذه القدرة ، انظر لهذا المثال هنا.

 

عندما نبدء بالإحساس بأن ما نعتقده و نؤمن به لا يعدوا كونه تجربة شخصية (لا غير) ، سنبدء حينها نتفهم لماذا يختلف الاخرون عنا ، و لماذا يؤمنون و يفعلون اشياء اخرى لا نتصور نحن شخصيا القيام بها. عندها و عندها فقط ، سنتوقف عن النميمة ، و سنتوقف عن الضجر من تصرفات الاخرين ، و سنتوقف عن الحنق من افعال الاخرين ، و سنبدء نحب من حولنا بدون شروط و قيود .

 

ملاحظة: القصتين الذين ذكرتها كلاهما يتعلقان بالتدين ، و ذكري لهم لكثرة انتشار هذين المثالين بشكل لافت في الآونه الاخيرة!.

 

تجربة:

 

1) أسرد مجموعة اشياء تنتقدها في مجموعة ممن حواليك.

 

2) إسرد السبب الحقيقي وراء لماذا انت تنتقد هذه التصرفات ؟ هل هي تجربة مررت بها؟ ام مما تسمعه من الاخرين حولك؟ او مما قرأته و اقتنعت به؟؟

 

3) ماهو ما يثبت بأن انتقادك في محله؟ او لا يعدو كونه مجرد قناعة شخصية لك قابلة للخطأ؟؟

Feb 07 2008 @ 08:16 pm | Uncategorized | | أنشر تدوينتك في موقع ضربت

3 Responses

  1. علوش قال:

    مشكووووور كتير.

    بحب ضي? مثال آخر.

    هو عن الأشخاص الذين يتناولون التاريخ ويحكمون على الشعوب والأمم ?ي التاريخ من خلال واقعهم الحالي.

    ?هو يصور أن العرب محتلين وأن الاسلام انتشر بالقوة بناء على موق?ه الحالي وبناء على قوانين عصره الحالي.

    أو مثلاً يصور أجدادنا خصوصاً ?ي بدايات القرن العشرين أنهم المسؤولون لما أصابنا، ناسياً أن المثق? العربي ?ي ذلك الوقت، كان عليه محارية الاستعمار من جهة، والد?اع عن هويته من جهة، وتنوير شعبه من جهة أخرى.

    وللأس? هناك الملايين من هكذا أشخاص.

    وتستمر اللائحة.

  2. عبدالله قال:

    صحيح ما ذكرت..

    لكني كثيرا ما أشعر أن البعض أ?كاره ليست ناتج تجربة شخصية ?قط..

    بل يدخل ?يها الطبع وال?طرة..واحيانا اشياء وراثية..أحيانا

    هذا ماأشعر به ?علا..

    بدليل أنك تجد أكثر من شخص مروا بن?س التجربة لكن هم مختل?ين..

    ..
    لذلك أعتقد أن مايحكم الا?كار والتوجهات ليس ?قط التجارب الشخصية..

  3. marmad قال:

    كالمعتاد.. إنها أحادية الت?كير!! ونظرية: إما أن تكون معى أو تكون عدوى!! يريدون أن يكون الكل نسخة واحدة..لا تمايز ولا تميز. رغم أن الله سبحانه وتعالى خلقنا مختل?ين لنتكامل!! وللأس? هذا النوع لا يصدق بوجوب وجود اختلا? بين البشر وتجاربهم ?ى الحياة إلا بعد أن يمر بتجربة سيئة أو بعد زمن طويل بعد أن يكون قد خبر الحياة.. ولكنه حينها يكون قد جرح الكثير وهاجم الكثير.. ?اللهم عا?نا
    تحياتى

اكتب تعليقاً