الإبتزاز العاطفي

 

 

الإبتزاز العاطفي!

 

في احد المراكز التجاريه ، الساعة الثانية ظهرا ، والمركز في قمة إزدحامه بالمتسوقين، بينما كنا انا و صديقي (عمرو) مسرعين لشراء وجبة غداء و برفقتنا إبنته الصغيرة “كريمه” ذات ال 6 سنوات ، إذا بكريمه تتوقف و تطلب شراء الحلوى!. وإليكم المشهد: (المشهد كان باللغه الانجليزية لأن العائلة لا تتكلم اللغه العربية).

 

كريمه: بابا اشتري لي هذي الحلوى!

 

عمرو: لا

 

كريمه – مع تكهرب في وجهها بسبب سماع كلمة “لا” : اريد حلوى.

 

عمرو: احنا اتفقنا علشان تجي معانا المركز أنه مافي حلويات! ثلاجة المكتب مليانة حلوياتك وانتي لسه ما اكلتيها كلها، و بعد الحين وقت الغداء ممنوع الحلوى!.

 

كريمه – تبدء بالصراخ: ابي حلوى!

 

عمرو: مافي حلوى!

 

أنا: عمرو يلا خلينا ناخذ لها قطعة واحده بس.

 

عمرو: لا يا محمد ، احنا متفقين وانت كنت موجود ، علشان تطلع معانا قالت ما راح تاكل حلوى!.

 

كريمه – تبدء بالصراخ عاليا: ابي حلوى

 

عمرو: يلا يا محمد نمشي ، خليها هني تبكي!

 

أنا: ما يصير الحين قدام كل هاي العالم تبكي!

 

عمرو: لا يصير ، هاي تبي تحرجنا قصدها؟ احنا كبار ما ننحرج!

 

عمرو: حلوى مافي حلوى! الإتفاق اتفاق!.

 

انا و عمرو نمشي بإتجاه المطاعم لطلب الغداء ، و كريمه في مكانها تبكي!

 

أنا في داخلي شئ يحترق ، ليس بسبب الحلوى ، لكن بسبب الإحراج!.

 

عمرو –اثناء الغداء-: انا ما احب اخلي احد من اولادي يخليني في موضع اني اشتري له شئ بسبب انه يسبب لي الإحراج ، و كأنه يبتزني: يا تشتري لي يا راح ابكي و احرجك!.

 

عمرو كان في قمة البرود اثناء هذا المشهد الدرامي كاملا!.
والآن: هل مر بك مثل هذا الموقف؟

 

إليك إعادة هذه المشاهد لكن في أماكن و ظروف مختلفه:
القصة الأولى: (اختيار التخصص بعد التخرج من الثانوية)
الأب: ماشاء الله يا ولدي مجموعك كبير و يدخلك بأي تخصص تختاره في أي جامعه مرموقه.

 

الأبن: حمدلله ، هذا من فضل الله ، و متابعتك يا والدي.

 

الأب: طيب وين قررت تروح ، ووش بتتخصص؟

 

الإبن: ماعرف يا والدي العزيز، انا احب الرسم والكتابه ، بس ما اعرف عن ظروف الشغل بعد التخرج.

 

الأب: بس انت يا ولدي تبي ولد عايلة مرموقه، و مجموعك كبير يدخلك اي كلية ، ليش ما تاخذ لك تخصص مثل الطب؟ ترى الطب وايد زين ، وظيفته مضمونه ، و الطبيب له مركز اجتماعي كبير.

 

الأبن: ما ادري يا والدي.

 

الأب: توكل على الله يا ولدي ، و سجل في كلية الطب.

 

الإبن: بشوف ، و بشوف عن تخصصات الفنون بعد.

 

الأب: بس تخصصات الفنون بعدين مالها مجال كبير، تبي تجلس في الشارع بعد التخرج؟.

 

الأب: نصيحتي لك إنك تدخل كلية الطب و تتخصص.

 

الإبن: بس انا مو مقتنع يا والدي من الطب.

 

الأب – و بطريقه اسمع رأيي والا بعدين ماحد بيوقف معاك-: وانت مقتنع إنك تجلس في الشارع بعد التخرج؟

 

الإبن و تحت تأثير الضغط و عدم الوضوح: اوكي خلاص بسجل في الطب.

 

(لاحظ التوجيه الغير مباشر من الأب، و كأن الأب يشير إلى أنه لن يقف مع الإبن في حالة تخرجه من كلية الفنون و لم يجد عملا!، والنتيجة ستكون حتما بأن يكون الإبن مجرد طالب طب اخر! لأنه ليس لديه الدافع الكافي في التفوق و مواجهة التحديات)

 

القصه الثانية: (اختيار العريس)

 

الأم: مبروك يا بنتي ، ولد عمك تقدم لك يريد يتزوجك.

 

البنت – مستغربه-: متى؟

 

الأم: امس المساء.

 

البنت: بس ولد عمي ، مو مكمل تعليمه ، و يشتغل مع والده، وأنا خريجه جامعة و احس انه فيه فارق ثقافي كبير.

 

الأم: لكن هذا ولد عمك ، بيراعيك و انتي بتصبري عليه.

 

البنت – غير مقتنعه من التفسير-: لكن شلون يقدر يفهمني و بينا فارق كبير في طريقة التفكير؟

 

الأم : عيل تبي تعنسي في البيت؟ (وكأن النصيب بيد البنت).

 

البنت – تحت ضغط الخوف من العنوسه: زين طيب بفكر.

 

الأم: طيب فكري ، و راح تعرفي انه ولد عمك هو المناسب لك.

 

(لاحظ التوجيه الغير مباشر من الأم ، بالضغط على البنت بالتخويف من العنوسه، والنتيجة مثلما نعرف عند اول بوادر المشاكل تبدء العلاقة في الإنهيار –لأن كلا الطرفين او احد الأطراف يحس بأنه تم إجباره لاشعوريا على هذا الزواج - و إذا لم ينهار الزواج كاملا بالطلاق ، تنهار السعادة الزوجيه و يصبح الزواج مجرد رباط عائلي لا غير).

 

لحظة من فضلك: لا تفهمني غلط ، إنا لست ضد مساعدة الأهل لأولادهم في اختيار تخصصاتهم، او في الزواج من الأقارب، و لست ضد شراء الحلوى للأطفال الصغار ايضا!.

 

لكن: أنا ضد الإبتزاز العاطفي في توجيه القرارات وفرض الإختيار لاشعوريا، انا مع الإختيار الحر لكل شئ في الحياة.

 

ماهو الإبتزاز العاطفي؟
عندما يستخدم احد الاطراف تخويف ضمني لتوجيه الطرف الاخر لعمل شئ – او اختيار شئ – خارج عن إرادته او قناعته في حالة اختياره الحر.

 

ببساطه : “يا إما تسوي لي كذي (او تشتري) او ما راح احبك- او راح احرجك”
“يا إما تختار اللي انا مقتنع فيه ، والا ما راح اوقف وياك في حالة اخترت براحتك و فشلت”

 

كيف؟

 

ماهو الفرق بين القصص التي سردتها – والتي نراها كل يوم هنا و هناك – و بين إعادة الصياغة التاليه:

 

القصة الأولى: (اختيار التخصص بعد التخرج من الثانوية)
الأب: ماشاء الله يا ولدي مجموعك كبير و يدخلك بأي تخصص تختاره في أي جامعه مرموقه.

 

الأبن: حمدلله ، هذا من فضل الله ، و متابعتك يا والدي.

 

الأب: طيب وين قررت تروح ، ووش بتتخصص؟

 

الإبن: ماعرف يا والدي العزيز، انا احب الرسم والكتابه ، بس ما اعرف عن ظروف الشغل بعد التخرج.

 

الأب: إنت قرر يا ولدي وإحنا كلنا معاك، مهما يكون قرارك راح تلاقينا معاك.
لو اخذت تخصص فنون و ما توفقت بشغل بعدين ، راح نوقف معاك لحد ما تحقق هدفك، و لحد ما تصير مبدع مشهور إن شاء الله.
ولو حبيت تخصص ثاني ، راح نكون وياك بعد، و لا تفكر انك بتكون وحدك لو حسيت في يوم بأنك اخترت التخصص اللي ما ارتحت له، في أي وقت لازم تكون واضح و تقرر.

 

(هل لاحظت الحرية المطلقة في اعطاء الخيار للإبن؟ مثل هذا الحوار يدفع الإبن اكثر لإختيار الحر ، الإختيار الذي سيكون مستعدا للدفاع عنه مهما كانت الصعوبات التي سيواجهها في تخصصه الذي سيختاره).

 

القصه الثانية: (اختيار العريس)

 

الأم: مبروك يا بنتي ، ولد عمك تقدم لك يريد يتزوجك.

 

البنت – مستغربه-: متى؟

 

الأم: امس المساء.

 

البنت: بس ولد عمي ، مو مكمل تعليمه ، و يشتغل مع والده، وأنا خريجه جامعة و احس انه فيه فارق ثقافي كبير.

 

الأم: طيب يا بنتي فكري ، واحنا معاك في أي قرار تتخذيه ، لكن فكري من كل النواحي، في النهاية انتي بنتنا اللي ما راح نرضى لك غير كل السعاده.

 

(لاحظ الحرية المطلقة ، والمؤازرة في الدفع بالبنت للتفكير للإختيار الحر ، و ليس الدفع بإتجاه أي خيار معين ، بالطبع مثل هذا الخيار سيعطي البنت حسا أعلى بالمسؤلية تجاه قرارها و نتائجه).

 

الآن عليك ملاحظة التالي:

 

1) معظمنا تربى في عوائل بسيطة جدا، و لا تفهم بأن الإبتزاز العاطفي شئ مقصود- خصوصا من الأهل - فهو معظم الأحيان يخرج عن حسن نية مطلقة ، و ليس عن رغبة في السيطرة!.

 

2) معظم الإبتزاز العاطفي يكون من كلا الطرفين عن عدم وعي ، فليس المبتز عاطفيا (الشخص الذي يصدر منه الإبتزاز) يقصد الإبتزاز عمدا ، و ليس الواقع تحت تأثير الإبتزاز (الذي ينفذ شيئا بسبب الإبتزاز العاطفي) يحس بأن الطرف الآخر يبتزه عاطفيا لتنفيذ مايريد.

 

آخيرا:

 

هناك من يحاول إبتزازك عاطفيا ليجبرك بأن تقوم ببعض أعماله ، و في مثل هذه الحاله ، عليك بإستخدم “النذاله البناءة” لمواجهة ذلك الإبتزاز.

 

تجربة:

 

1) هل تسمح لطفلك بإبتزازك عاطفيا لتشتري له ما يريد؟

 

2) هل تجبر طفلك على تنفيذ ما تريده ان يقوم به عبر تهديده بعدم حبه؟
(ملاحظة هامه: الأطفال عموما لايمكنهم مطلقا أن يتساهلوا بحرمان حب الأبوين، لذلك انصح بشدة بعدم إستخدام أي ابتزاز عاطفي يستخدم حب الوالدين كوسيلة لإطاعة الوالدين).

Nov 21 2007 @ 02:26 am | Uncategorized | | أنشر تدوينتك في موقع ضربت

5 Responses

  1. علوش قال:

    كالعادة مقال ممتع غني بال?ائدة.

    بصراحة أص? حياناً الأشخاص البالغين من الأصدقاء الذين يمارسون الابتزاز العاط?ي، بالنرجسيين.

    حيث يعتقدون أن الكون متمحور حول ن?سهم، وأن أمورهم هي لها الأولوية، وغالباً هم الأشخاص الذين تستعمل معهم مبدأ النذالة البناءة.

  2. ســــارة قال:

    قي الحقيقة يا اخ محمد انك تمتلك اسلوب رائع ?ي الكتابة كما ان مقالك هذا هو وص? دقيق للواقع ?انا اعتبر من ضحايا الابتزاز العاط?ي خاصة من طر? صديقاتي اللائي يحاولن التأثير ?ي قراراتي
    مو?ق ان شاء الله

  3. cupoftea قال:

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،،

    علوش : يبدو بأن مبدء النذالة البناءة لازال يحتل المراكز الأولى ?ي حاجة قراء هذه المدونة له!. يبدو بأنني بحاجة لتدوينة اخرى عنه!.

    سارة : سعيد بإطراءك اختي سارة ، و يبدو بأنك احد الذين يحتاجون لإستخدام مبدء النذالة البناءة مع اصدقائك!. (راجعي الرابط لتدوينة “قليل من النذالة البناءة”).

    تحياتي.
    محمد

  4. ســــارة قال:

    شكرا على النصيحة
    ood luck

  5. مدونة تدوين | عالم المدونات » Blog Archive » الإبتزاز العاط?ي / كوب شاي قال:

    […] Cup Of Tea كوب شاي - Flock […]

اكتب تعليقاً